الشيخ محمد هادي معرفة
74
التفسير الأثرى الجامع
وطهارة الضمير وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً لا نكر فيه ولا فحش ، ولا مخالفة لحدود ما أنزل اللّه ، والّتي بيّنها في هذا الموقف الدقيق . وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ ما فرض عليهنّ من العدّة أَجَلَهُ أي تنقضي العدّة . قوله : وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ - ولم يقل : « ولا تعقدوا النكاح » - زيادة في التحرّج . فالعزيمة الّتي تنشئ العقدة هي المنهيّ عنها ، نظير : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها مبالغة في التحرّز عنها . الأمر الّذي يوحي بمعنى في غاية اللّطف والدقّة . وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ . وهنا يربط بين التشريع والوازع النفسي الباعث على الخشية من اللّه المطّلع على السرائر ، فللهواجس المستكنّة وللمشاعر المكنونة هنا - وفي غيرها من مزالّ - الأقدام - قيمتها في العلاقات بين رجل وامرأة ، بل بين آحاد الناس على سواء . ومع ذلك وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ غفور يغفر خطيئة القلب الشاعر باللّه ، الحذر من عقوبته . حليم لا يعجل بالعقوبة ، فلعلّ عبده الخاطئ آب ورجع عمّا فرّط في جنب اللّه . * * * ثمّ يجيء حكم المطلّقة قبل الدخول : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً فالواجب على الزوج في هذه الحالة أن يمتّعها أي يمنحها عطيّة حسبما يستطيع : وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ - أي المعوز - قدره ، مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ممّن يحاول الإحسان في حياته . نعم ولهذا العمل قيمته النفسيّة بجانب كونه نوعا من التعويض ؛ إنّ انفصام هذه العقدة من قبل ابتدائها قد ينشئ جفوة ممضّة في نفس المرأة ، ويجعل الفراق طعنة عداء وخصومة . ولكنّ التمتيع يذهب بهذا الجوّ المكفهرّ ، وينسم فيه نسمات من الودّ والمعذرة ، ولهذا يوصي أن يكون المتاع بالمعروف ، استبقاء للمودّة الإنسانيّة ، وافتراقا بسلام . أمّا إذا كان الطلاق قبل المساس ، بعد أن فرضتم لهنّ فريضة ، فنصف ما فرضتم . هذا هو القانون . ولكنّ القرآن يدع الأمر بعد ذلك للسماحة والفضل واليسر ، فللزوجة أو وليّها إن كانت صغيرة أن تعفو وتترك ما يفرضه القانون ، والتنازل في هذه الحالة هو تنازل الإنسان الراضي القادر العفوّ السمح ، فيا للقرآن يظلّ يلاحق هذه القلوب كي تصفو وترفّ وتخلو من كلّ شائبة : وَأَنْ تَعْفُوا